((الأضواء الأربعون)) في سن الأربعين
بسم الله الرحمن الرحيم
((الأضواء الأربعون)) في سن الأربعين
"سطور من منهجي في الحياة"
لكل امرئ عاقلٍ منهجٌ في حياته، يحيا به ويسيرُ عليه، كما أنّ له فلسفته المتميزة، ونظرتَهُ الخاصّة، قد يَتّفقُ فيها مع غيره وقد يختلف. وبمقدار سلامة منهجه، وعمق فلسفته، وبُعد نظرته, تكون سعادته وراحته.
والتعيسُ البئيس هو مَن ينطلقُ بلا منهج، ويسيرُ إلى غيرِ غاية، إمّعة مهين، ليس له رأيٌ ولا استقلال، يُعطّل عقله.. ويُبطِلُ إرادته، يجري خلفَ كلّ مهرول، ويدورُ في فلكِ كلِّ دائِر..
ولشَدَّ ما كنتُ أتألّمُ مِمَن تلكَ صفتُه.. بل أهربُ منه وأتحاشاه، لأنه في نظري أضَرُّ على الحياة والأحياء من المرض الخطير، والشرّ المستطير.
ومن فضلِ الله عليَّ، وتوفيقه لي، أن أخذتُ نفسيَ في مستهلّ حياتي بالحزم، ورضتُها على المنهج والغاية ,في جميع الشئون والأحوال.. ووطّنتُها على أن يكون لي رأييَ الخاص وقراريَ المستقل.. أسمعُ وأرى.. ثم أُحاكِمُ وأحكُم.. أُحسِنُ إذا أحسنَ الناس، ولا أُسيءُ إنْ أساءوا..
وقد أحببتُ أن أُدَوِّنَ سطورًا من منهجي في حياتي بُغيةَ الإفادة والاستفادة، لعلّها تكونُ ضوءًا في طريق سائر، أو حافِزًا في حياةِ فاتِر, أو نهوضًا في سقوطِ عاثِر.. مع التطلُّعِ إلى نقدِ بصيرٍ عاقِل, أو إرشادِ صديقٍ ناصِح, أو تقويمِ حكيمٍ راشِد..
ثم لأنه ينبغي أن يأتي كل حكمٍ بعد محاكمة، وأنّ المحاكمة السليمة لا تتأتّى إلاّ بعد التصوُّر.. والتدوين يجعل ذلك أيسرَ وأجلى، دُوِّنَت هذه السطور.
لقد انطلقتُ في حياتي -والتسديدُ من الله- وفقَ ما يلي:
1-رفض نظرة التسليم المغلق, أو التقديس المُطلَق، ولو كان أستاذًا قديرًا أو فيلسوفًا كبيرًا أو مفكّرًا شهيرًا، اللهم إلاّ أن يكون اللهَ العظيم أو الرسولَ الكريم أو التحقيقَ السليم. ومع ذلك فإن الشريعة السمحاء دعَت إلى إعمال العقل وفهم النقل..
وقد كان لهذا أثره الكبير في شخصيّتي وحياتي العلمية.
(والضوء) "العقل نعمة وشكرها بالإعمال لا بالإهمال"
(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
2-القيام بالأعمال بدافع القناعة والفهم, لا بباعث المديح أو القدح، ولا بتأثير البيئة أو الرأي العام، فأنا أعمل لأُرضي خالِقي لا لأحصل الإطراء.. أخطبُ لأنفع الناس لا لأنال الثناء.. وأُقْدِمُ لأخدم لا لأنال الإعجاب.. وقد أكسبَني هذا –بحمد الله- احترام الناس وتقديرهم.
(والضوء)"اعمل ولا تنتظر المدح ولا تنظُر إلى القدح"
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
3-احترام الرأي أيًا كان مصدره وجهته؛ ومهما كان قائله, صغيرًا أو كبيرًا، مغمورًا أو مشهورًا، والنظر للقول لا القائل وكراهية الفعل لا الفاعل والعمَل لا العامِل سواء كان العامل شكورًا أو كفورًا، تقيًا أو فجورًا.
وقد أَفادني ذلك رحمةً وعلماًً كان لهما أكبر الأثر في حياتي.
(والضوء):"القول لا القائل والفعل لاالفاعل"
(الحكمة ضالة المؤمن… )َ (إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ)
4- اعتماد الصراحة والوضوح، والابتعاد عن الالتواء والتخفّي، وترك المداهنات والمجاملات، وقد قَرَّبَني ذلك من الأقوياء وقرب مني الأسوياء.
(والضوء) "الصراحة طريق الراحة"
( وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً)
5-العمل على تربية الوازع الذاتي في مَنْ أُعلّم أو أُوَجِّه أو أُشرِف عليه, لأنه أدعى للاستمرار والاستقرار..
(والضوء): "سهل والدجاجة"
(كمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)
6-إفساح المجال إلى أبعد مدى ممكن، أمام مَنْ أُعلّمه أو أُعامله ليقول رأيه، ويُعبّر عن وجهة نظره؛ ولو كان مُخالِفًا لي. وقد كان لذلك أثره النافع في شخصيتي وشخصيّة مَنْ حولي.
(والضوء):"قُل رأيَك أحترمْكَ أكثر"
( أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)
7-الأصل عندي فيما أُقدِمُ عليه أو أُحجِمُ عنه هو المحافظة على الوقت وحِفظُ القلب، لأنه إذا ذهبَ الوقت أو ضاعَ القلب ذهبَ الإنسان.
(والضوء):"القلب والوقت أولاً"
(إن في الجسد مضغةً….)(وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم) و(خمسًا قبل خمس….)
8-الابتعاد عن التشدُّد أو التكلُّف؛ واعتماد الترغيب أكثر من الترهيب والأخذ باليسر والألفة، والتعامُل بالسعة والرحمة.. والمحاسبة باللين واليقين، والتعويل على جانب الخير في الناس وترك إحراجهم بخيارين فحسب بل إفساح المجال لعدة خيارات. وقد أكسبَني ذلك –بفضل الله- حُبَّ مَنْ حولي ومواصلتَهُم الطريق معي. وقرَّبَني من النجاح.. وأبعدَني عن الفشل.
(والضوء):"الأُلفة لا الكلفة و اليسر لا العسر و الرغبة لا الرهبة"
(بشّروا ولا تنفّروا و يسّروا ولا تعسّروا) (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)
9- عدم التردُّد والتشكُّك مع استنفاذ الأسباب، وقد أراحَني ذلك من الحيرة والعذاب.
(والضوء):"لا تتردَّد فتردى ولا تتشَكَّك فتشقى", "التردُّد طريق الردى والتشكُّك طريق الشقاء"
(إنَ الَله تبَاركَ وتعالى بقِسْطِهِ وعلمِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ والفَرحَ في اليَقينِ والرضا وجَعلَ الهْمَ والحزنَ في الشكِ والسُخْط)
(فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً)
10-عدم الأسى على ما فات، مع التسليم المُطلَق بأنّ لله أكملَ الأسماء والصفات. ومع الإيمان بأنَّ فوات ما فات عناية.. وأنَّ عدم تيسّره خيرٌ ورعاية.. وقد انعكس ذلك على حياتي سكينةً نفسيّة، وطمأنينةً قلبيّة، وراحةً جسميّة.
(والضوء):" قدر الله وما شاء فعل"
"والله يعلم وأنتم لا تعلمون"إذا بذل العبد جهده فيما يستطيع أعانه الحق فيما لا يستطيع"(قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)
11-إساءة الظنّ بالنفس من غير جلدٍ للذات، وإحسان الظن بالناس من غير غفلةٍ أو تنازُلات، والحذرُ منهم من غير شكٍّ ولا وسوسات.. وقد حفظَني ذلك من مكرِ نفسي ومن مكر الناس.
(والضوء):"كلّ الناس خيرٌ منك يا عمر.. اللهم اجعلني في عيني صغيرًا وفي أعين الناس كبيرًا"
"لستُ خبًّا ولا الخبّ يخدعني"
12-الأخذ بالأسباب كاملة مع الاصطبار , والسعي مع المثابرة والانتظار , والتوقُّف للتأمُّل لا للتألُّم والاستحسار.
(والضوء):"المثابرة مع الاصطبار طريق النجاح والانتصار"
(وما يُلقّاها إلاّ الذين صبروا)
13-لا أقول إلا ما أتحقَّقُ منه.. ولا أعملُ ما لا دليلَ عليه، ولا أقطعُ في حُكمٍ قبل التأكُّدِ منه.. ولا أبني على الظن، ولا أُحاسِبُ على الشكّ، ولا أنسبُ عملاً عمِلَهُ غيري إليّ.
وهذا يجلب الاحترام والتمكين ويحفظُ الدنيا والدين.
(والضوء):"التثبُّت عند التعلُّم والإثبات عند التعليم"
(ولا تقفُ ما ليس لك به علم) (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
14-ترك الاستشراف , لأنه ليس من شيم الأشراف , والتسليم لله تعالى في جميع الأمور.. وعدم السعي وراء الشهرة والظهور، فإن وقع عليّ الاختيار, فالله وحده يخلق ما يشاء ويختار.
(والضوء)"إذا جاءتك دون الاستشراف أعنت عليها" ، الألطاف تأتي مع ترك الاستشراف"، "الاستشراف يحجب الألطاف"
15-البحث عن حل مشاكلي في نفسي أولاً.. وترك تعليقها بالآخرين. وقد أوصلَني هذا -بتوفيق المولى- إلى فهم ما استغلقَ، وحلّ ما استعصى.. وخلَّصَني من هدر الوقت وضياع القلب.